ابن عجيبة
346
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
الإشارة : ما خوطب به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يخاطب به ورثته الكرام ، من الاكتفاء بالله وعدم الالتفات إلى ما سواه ، وتصحيح عقد التوحيد ، والاعتماد على الكريم المجيد . واللّه تعالى أعلم . ثم أمره بالتحريض على الجهاد ، فقال : [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 65 إلى 66 ] يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ( 65 ) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ( 66 ) قلت : التحريض : هو الحث على الشيء والمبالغة في طلبه ، وهو من الحرض ، الذي هو الإشفاء على الهلاك . يقول الحق جل جلاله : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ أي : حثهم عَلَى الْقِتالِ أي : الجهاد . ثم أمرهم بالصبر والثبات للعدو بقوله : إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ، وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ، وهذا خبر بمعنى الأمر ، أي : يقاتل العشرون منكم المائتين ، والمائة الألف ، وليثبتوا لهم ، ولا يصح أن يكون خبرا محضا ؛ إذ لو كان خبرا محضا لما تخلف في الواقع ، ولو في جزئية ؛ إذ خبره تعالى لا يخلف . قال الفخر الرازي : حسن هذا التكليف لما كان مسبوقا بقوله : حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ، فلما وعد المؤمنين بالكفاية والنصر كان هذا التكليف سهلا ؛ لأن من تكفل اللّه بنصره فإن أهل العالم لا يقدرون على إذايته . ه . وإنما كان القليل من المؤمنين يقاوم الكثير من الكفار بِأَنَّهُمْ ؛ بسبب أنهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ، أي : لأنهم جهلة بالله واليوم الآخر ، فلا يثبتون ثبات المؤمنين ، رجاء الثواب والترقي في الدرجات ، قتلوا أو ماتوا ، بخلاف الكفار ؛ فلا يستحقون من اللّه إلا الهوان والخذلان . ولمّا كلفهم بهذا في أول الإسلام ، وشقّ ذلك عليهم ، خفف عنهم فقال : الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً ؛ فلا يقاوم الواحد منكم العشرة ، ولا المائة الألف ، فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ،